ابن أبي الحديد
62
شرح نهج البلاغة
وما بينهما " ( 1 ) وقوله : " ونشر الرياح برحمته " من قوله : يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته " ( 2 ) . وقوله : " ووتد بالصخور ميدان أرضه " ، من قوله : " والجبال أوتادا " ( 3 ) . والميدان : التحرك والتموج . * * * فأما القطب الراوندي رحمه الله فإنه قال ، إنه عليه السلام أخبر عن نفسه بأول هذا الفصل أنه يحمد الله ، وذلك من ظاهر كلامه ، ثم أمر غيره من فحوى كلامه أن يحمد الله ، وأخبر عليه السلام أنه ثابت على ذلك مدة حياته ، وأنه يجب على المكلفين ثبوتهم عليه ما بقوا ، ولو قال " أحمد الله " لم يعلم منه جميع ذلك . ثم قال : والحمد أعم من الشكر ، والله أخص من الاله ، قال فأما قوله : " الذي لا يبلغ مدحته القائلون " فإنه أظهر العجز عن القيام بواجب مدائحه ، فكيف بمحامده ! والمعنى أن الحمد كل الحمد ثابت للمعبود الذي حقت العبادة له في الأزل ، واستحقها حين خلق الخلق ، وأنعم بأصول النعم التي يستحق بها العبادة . * * * ولقائل أن يقول : أنه ليس في فحوى كلامه أنه أمر غيره أن يحمد الله ، وليس يفهم من قول بعض رعية الملك لغيره منهم : العظمة والجلال لهذا الملك ، أنه قد أمرهم بتعظيمه وإجلاله . ولا أيضا في الكلام ما يدل على أنه ثابت على ذلك مدة حياته ، وأنه يجب على المكلفين ثبوتهم عليه ما بقوا . ولا أعلم كيف قد وقع ذلك للراوندي ! فإن زعم أن العقل يقتضي ذلك فحق ، ولكن
--> ( 1 ) سورة الشعراء 24 . ( 2 ) سورة الأعراف 57 ، وهي قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو ( الجامع لأحكام القرآن 7 : 229 ) . ( 3 ) سورة النبأ 7 .